ابن العربي

241

أحكام القرآن

المسألة الثالثة - قال علماؤنا : الربا في اللغة هو الزيادة ، ولا بدّ في الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به ؛ فلأجل ذلك اختلفوا هل هي عامّة في تحريم كلّ ربا ، أو مجملة لا بيان لها إلا من غيرها ؟ والصحيح أنها عامّة ؛ لأنهم كانوا يتبايعون ويربون ، وكان الربا عندهم معروفا ، يبايع الرجل الرجل إلى أجل ، فإذا حلّ الأجل قال : أتقضى أم تربى ؟ يعنى أم تزيدني على مالي عليك وأصبر أجلا آخر . فحرّم اللّه تعالى الربا ، وهو الزيادة ؛ ولكن لما كان كما قلنا لا تظهر الزيادة إلا على مزيد عليه ، ومتى قابل الشيء غير جنسه في المعاملة لم تظهر الزيادة ، وإذا قابل جنسه لم تظهر الزيادة أيضا إلا بإظهار الشرع ، ولأجل هذا صارت الآية مشكلة على الأكثر ، معلومة لمن أيّده اللّه تعالى بالنّور الأظهر . وقد فاوضت فيها علماء ، وباحثت رفعاء ، فكلّ منهم أعطى ما عنده حتى انتظم فيها سلك المعرفة بدرره وجوهرته العليا . إنّ من زعم أنّ هذه الآية مجملة فلم يفهم مقاطع الشريعة ؛ فإنّ اللّه تعالى أرسل رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قوم هو منهم بلغتهم ، وأنزل عليهم كتابه - تيسيرا منه - بلسانه ولسانهم ؛ وقد كانت التجارة والبيع عندهم من المعاني المعلومة ، فأنزل عليهم مبيّنا لهم ما يلزمهم فيهما ويعقدونهما عليه ، فقال تعالى « 1 » : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ . والباطل ، كما بيناه في كتب الأصول ، هو الذي لا يفيد وقع التعبير به عن تناول المال بغير عوض في صورة « 2 » العوض . والتجارة هي مقابلة الأموال بعضها ببعض . وهو البيع ؛ وأنواعه في متعلقاته بالمال كالأعيان المملوكة ، أو ما في معنى المال كالمنافع ، وهي ثلاثة أنواع : عين بعين ، وهو بيع النقد ؛ أو بدين مؤجّل وهو السّلم ، أو حالّ وهو يكون في التمر « 3 » أو على رسم الاستصناع . أو بيع عين بمنفعة وهو الإجارة .

--> ( 1 ) سورة النساء ، آية 29 ( 2 ) في ل : في صفة العوض . ( 3 ) في ا : الثمن .